تحالف الأضداد

 تحالف الأضداد

د. طالب فدّاع الشريم

 عندما تلتقي المادية الشيوعية بالراديكالية الغيبية على أنقاض الدولة!

في عالم السياسة المعاصرة، ثمة مفارقة فكرية مذهلة تستدعي وقفة تأمل عميقة ونظرة فاحصة تتجاوز السطح المعرفي. إذ نشهد اليوم توافقًا إعلاميًا، سياسيًا، وإستراتيجيًا غريبًا بين تيارين يقفان على طرفي نقيض عقديًا وفلسفيًا: اليسار المادي الشيوعي الذي ينكر الغيبيات تمامًا ويؤمن بحتمية المادة، والتيارات الراديكالية الغيبية (مثل أيديولوجيا ولاية الفقيه وجماعات الدين السياسي) التي ترهن الواقع بالميتافيزيقيا وسرديات المخلص المنتظر.

إذ يجتمع نكران الغيب المطلق مع الغلو فيه إلى حد الهوس، في قاسم مشترك واحد، وعلّة وجودية تجمع بينهما: هي شهوة هدم "الدولة الوطنية الحديثة". هذه الدولة بمؤسساتها وقوانينها هي المستهدف الأول، كونها تمثل صمام الأمان للشعوب، وفي ذات الوقت، الرئة التي يحاول هذان التياران خنقها للتنفس على جثتها.

إن هذا الالتقاء، الذي يُعرف سياسيًا بـ "تحالف الأضداد"  لا يقوم على وحدة العقيدة أو نبل الغايات، بل هو زواج متعة سياسي يقوم على وحدة الهدف التدميري، ويرتكز على ثلاث ركائز أساسية تفسر واقعنا المعاصر:

1. العدو المشترك: شيطنة "الدولة الوطنية"

يرى كلا الطرفين في بنية الدولة الوطنية الحديثة، بقوانينها الدستورية المستقرة، وسلامة أرضها وحدودها، عائقًا أمامهما وتجسيدا يقوض وجودهما.

  • بالنسبة للشيوعي المادي، فإن الدولة الوطنية هي "ذروة الاستغلال البرجوازي" وأداة حتمية للقمع الطبقي يجب إسقاطها.

  • بالنسبة للراديكالي الغيبي، فإن هذه الدولة وقوانينها الوضعية هي "حالة من الجاهلية والتغريب"، وخروج عن الحاكمية المطلقة.
    الواقع المعاصر: يتجلى هذا بوضوح في المحافل الدولية ومنصات الإعلام اليوم؛ حيث نجد الأكاديميين والناشطين من أقصى اليسار يدافعون باستماتة عن ميليشيات ظلامية متطرفة في الشرق الأوسط (كأذرع النظام الإيراني)، متغاضين عن كل جرائم هذه الجماعات في حق الإنسان والدولة، فقط لأن هذه الميليشيات ترفع شعارات عادة ما تنقلب عليها بمجرد تغير موقف الآمر.

2. عولمة الفوضى العابرة للحدود

يرفض الطرفان مفهوم الحدود السياسية والسيادة الوطنية؛ فالشيوعية تنادي تاريخيًا بـ "الأممية وسقوط الدول" لإذابة الفوارق بين الشعوب تحت راية البروليتاريا، بينما تنادي أيديولوجيا ولاية الفقيه بـ "عالمية الثورة الدينية" وتذويب الأوطان لصالح مشروع ثيوقراطي عابر للحدود يمتد من طهران ليعبث بعواصم عربية متعددة.

الواقع المعاصر: نرى هذا التقاطع في الدعم اللوجستي والسياسي المتبادل بين قوى يسارية/اشتراكية في أمريكا اللاتينية (مثل فنزويلا) وبين النظام الثيوقراطي في إيران. لا يجمع بين كاراكاس وطهران أي رابط ثقافي أو ديني، لكن يجمعهما السعي لتقويض النظام الدولي وتفكيك سيادة الدول المستقرة عبر شبكات موازية عابرة للقارات.

3. سردية "الهدم الخلّاق" والمخاض الضروري

هنا يقع التقاطع الفكري الأكثر خطورة وفلسفية؛ حيث تؤمن الأدبيات الغيبية المتطرفة بأن نشر الفوضى، وتأجيج الحروب، وهدم استقرار الدول هو "توطئة وتسريع" لظهور المخلص الكوني (فكرة تعجيل الفرج عبر إشاعة الظلم والفساد). تلتقي هذه الفكرة بنيويًا مع الماركسية التي ترى أن "الفوضى والأزمة القصوى" والصراع الدموي هي الوقود الحتمي لولادة الوعي الثوري وإنهاء الرأسمالية.

الفوضى عندهما ليست شرًا مطلقًا، بل هي "مخاض ضروري" وجسر إلزامي لولادة عالمهما المتخيل. لذلك لا يكترث الطرفان بانهيار الاقتصادات، أو تشريد الملايين، أو تحول المدن إلى ركام؛ فالإنسان لترس الماكينة الشيوعية أو لمشروع التضحية الغيبي ليس سوى "وقود" للمرحلة الانتقالية.

خلاصة الوعي بالذات:

إن الوعي الحقيقي يفرض علينا كمجتمعات وأفراد إدراك أن هذا التوافق الإعلامي والسياسي هو "ميكافيلية سياسية" مجردة ونفعية فجة؛ حيث يستخدم كل طرف الآخر كـ "مطرقة" لتهشيم الواقع القائم واستقرار الشعوب، على أمل أن يستأثر الفائز منهما بالأنقاض في نهاية المطاف.

إنها الشيوعية الطوباوية في أقصى درجات بدائيتها، تلتقي مع الغيبية في أقصى درجات راديكاليتها، والضحية الدائمة والثابتة في هذه المعادلة الصفرية.. هو الوطن والإنسان.


taleb1423@

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظرية المعرفة عند الفارابي

هُــــمــــــــام

بحث مختصر عن الوجودية والفينومينولوجيا